ثورة في علاج الكولسترول: اكتشاف جزيء خفي من الـ RNA يفتح آفاقاً
جديدة للوقاية من أمراض القلب
قسم: عالم الإنسان
تعد أمراض القلب والأوعية الدموية القاتل الأول عالمياً، حيث تتسبب في ملايين الوفيات سنوياً. ومع التطور
المذهل في التقنيات الجينية، ما زال العلماء يكتشفون أسراراً جديدة داخل أجسامنا
قد تغير وجه الطب تماماً. في أحدث هذه الاكتشافات التي وصفت بـ "الواعدة"،
تمكن فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا من رصد جزيء حمض نووي ريبي (RNA) "خفي"
يلعب دوراً محورياً في تنظيم مستويات الكولسترول، مما يمهد الطريق لجيل جديد من
العلاجات الأكثر دقة وفعالية.
 |
| ثورة في علاج الكولسترول: اكتشاف جزيء خفي من الـ RNA يفتح آفاقاً جديدة للوقاية من أمراض القلب |
ثورة في علاج الكولسترول: اكتشاف جزيء خفي من الـ RNA يفتح آفاقاً جديدة للوقاية من أمراض القلب
ما هو الجزيء الخفي tsRNA-Glu-CTC؟
لسنوات طويلة، ركز العلماء
على الجينات التي تحمل شفرات لبناء البروتينات، معتبرين أن بقية الحمض النووي قد
يكون "خردة" أو بلا فائدة تذكر. لكن الدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications (ديسمبر 2025)
قلبت هذه الموازين.
الجزيء المكتشف يُعرف باسم tsRNA-Glu-CTC، وهو نوع من الحمض النووي الريبي الصغير المشتق
من الـ RNA الناقل (tRNA). يُطلق عليه وصف "خفي" ليس لأنه غير موجود، بل لأن
التقنيات التقليدية للتحليل الجيني كانت تعجز عن رؤيته بسبب صغر حجمه وتعديلاته
الكيميائية المعقدة التي كانت تُفشل عمليات التسلسل الجيني المعتادة.
تقنية PANDORA-seq المجهر
الذي كشف المستور
لم يكن هذا الاكتشاف
ممكناً لولا الابتكار التقني. استخدم الباحثون تقنية متطورة تُسمى PANDORA-seq، وهي تقنية تسمح برصد جزيئات الـ RNA الصغيرة التي
كانت تضيع في الفحوصات السابقة.
- عند تطبيق هذه التقنية على
أنسجة الكبد (المصنع الرئيسي للكولسترول في الجسم)، كانت المفاجأة مذهلة: اكتشف
العلماء أن هذا الجزيء الصغير وحده يمثل أكثر من 65%
من إجمالي جزيئات الـ RNA الصغيرة المشتقة من الـ tRNA في الكبد. هذه
النسبة الضخمة تشير بوضوح إلى أن للجزيء وظيفة حيوية لا يمكن تجاهلها.
كيف يتحكم هذا الجزيء في
مستويات الكولسترول؟
تعتمد آلية عمل جزيء tsRNA-Glu-CTC على
التفاعل المباشر مع بروتين حساس يُدعى SREBP2.
يُعرف هذا البروتين في الأوساط العلمية بأنه "المايسترو"
أو المتحكم الرئيسي في تشغيل وإيقاف الجينات المسؤولة عن إنتاج الكولسترول في
الكبد.
- في الحالات الطبيعية:
يحافظ الجسم على توازن دقيق لإنتاج الكولسترول
الضروري لبناء الخلايا والهرمونات.
- عند ارتفاع مستوى الجزيء الخفي: يقوم tsRNA-Glu-CTC بتحفيز بروتين SREBP2 بقوة، مما يدفع
الكبد لإنتاج كميات فائضة من الكولسترول تتجاوز حاجة الجسم.
- النتيجة:
يتسرب هذا الكولسترول الفائض إلى الدم، ويبدأ في
التراكم على جدران الشرايين، مما يؤدي إلى "تصلب الشرايين".
لماذا
يتفوق هذا الاكتشاف على الأدوية الحالية (مثل الستاتينات)؟
تعتبر أدوية "الستاتينات" (Statins) هي
المعيار الذهبي الحالي لعلاج ارتفاع الكولسترول، وهي تعمل عن طريق تثبيط إنزيم
معين في نهاية مسار إنتاج الكولسترول. ورغم فعاليتها، إلا أن لها بعض الجوانب التي
يسعى العلماء لتطويرها:
- التوقيت:
الستاتينات تعمل في مرحلة متأخرة من التصنيع، بينما
يستهدف الاكتشاف الجديد "جذر المشكلة" أو المفتاح الأول لعملية
الإنتاج.
- الدقة:
استهداف الـ RNA الخفي قد يقلل من الآثار
الجانبية المرتبطة بالأدوية التقليدية، حيث يعمل بشكل أكثر تخصصاً داخل خلايا
الكبد.
- الوقاية المبكرة:
فهم مستويات هذا الجزيء في الدم قد يسمح للأطباء
بالتنبؤ بمخاطر تصلب الشرايين قبل سنوات من حدوث النوبات القلبية.
نتائج
التجارب المخبرية من الفئران إلى البشر
أجرى الفريق البحثي تجارب
مكثفة لتعطيل هذا الجزيء باستخدام مواد وراثية مصممة خصيصاً. وكانت النتائج مبهرة:
- في الفئران:
أدى تعطيل جزيء tsRNA-Glu-CTC إلى انخفاض حاد
وملحوظ في مستويات الكولسترول في الدم، وتباطأ تراكم الدهون في الشرايين بشكل
كبير.
- في البشر:
لم يتوقف البحث عند الحيوانات؛ بل قام العلماء
بتحليل عينات دم بشرية ووجدوا ارتباطاً وثيقاً بين ارتفاع مستويات هذا الجزيء
وارتفاع الكولسترول الضار لدى المرضى. هذا يؤكد أن الآلية البيولوجية التي
اكتُشفت في المختبر هي نفسها التي تعمل داخل أجسامنا.
الأبعاد
الطبية المستقبلية وتصلب الشرايين
يُعد تصلب الشرايين "القاتل
الصامت"؛ لأنه يتطور ببطء على مدى عقود دون أعراض واضحة حتى تقع الكارثة (جلطة
أو سكتة دماغية). يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام:
- فحوصات دم جديدة:
قياس مستوى tsRNA-Glu-CTC كعلامة حيوية (Biomarker) للكشف
المبكر عن مخاطر أمراض القلب.
- علاجات جينية:
تطوير حقن تعتمد على تقنية الـ RNA (مشابهة
لتقنية بعض لقاحات كورونا) لتعطيل الجزيء المسبب لارتفاع الكولسترول.
- الطب الشخصي:
تصميم برامج علاجية تعتمد على الملف الجيني لكل
مريض ومدى نشاط الجزيئات الخفية لديه.
كلمة
الباحثين"المفتاح في أصغر الجزيئات"
يقول الدكتور تشانغ تشنغ تشو، المؤلف الرئيسي للدراسة: "كان هذا الجزيء
مختبئاً أمام أعيننا طوال الوقت. ما إن تمكنا من رؤيته، حتى أدركنا أنه المحرك
الرئيسي لعملية معقدة تؤدي لأخطر أمراض العصر". ويضيف أن هذا النوع من
الأبحاث يعيد تعريف فهمنا لعلم الوراثة، حيث لم تعد الجينات التقليدية هي اللاعب
الوحيد في الساحة.
الخلاصة
يمثل اكتشاف جزيء الحمض
النووي الريبي الخفي
tsRNA-Glu-CTC قفزة
نوعية في فهمنا لكيفية إدارة الجسم للدهون. نحن الآن أمام فرصة حقيقية لتطوير
استراتيجيات وقائية وعلاجية تتجاوز المتاح حالياً، مما قد ينقذ حياة الملايين ممن
يعانون من تصلب الشرايين وارتفاع الكولسترول المزمن.
الأسئلة
الشائعة حول الاكتشاف الجديد
(FAQ)
1. هل يعني هذا الاكتشاف
التوقف عن تناول الستاتينات؟
لا، الاكتشاف لا يزال في مراحل الدراسة والتطوير
المخبري. يجب على المرضى الاستمرار في خططهم العلاجية الحالية واستشارة أطبائهم،
ولكن هذا الاكتشاف يبشر بأدوية بديلة أو مكملة في المستقبل القريب.
2. متى ستتوفر العلاجات
المبنية على هذا الجزيء؟
عادة ما تستغرق الدراسات السريرية عدة سنوات (من 5
إلى 10 سنوات) لضمان الأمان والفعالية قبل طرحها في الصيدليات.
3. كيف يمكنني تقليل مستوى
هذا الجزيء في جسمي حالياً؟
بما أنه جزيء جيني، فلا توجد طريقة مباشرة للتحكم
فيه عبر الغذاء فقط، ولكن اتباع نمط حياة صحي، وممارسة الرياضة، وتقليل السكريات
يساعد بشكل عام في تحسين أداء الكبد والجينات المسؤولة عن التمثيل الغذائي.