recent
أخبار ساخنة

واجهة "دافوس" الصامتة: كيف أعاد المنتدى الاقتصادي رسم خارطة القوة العالمية؟

 

واجهة "دافوس" الصامتة: كيف أعاد المنتدى الاقتصادي رسم خارطة القوة العالمية؟

قسم : اقتصاد مالى

مع انقشاع ضباب مدينة دافوس السويسرية ومغادرة الوفود المشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، يبدأ عمال التجهيزات في تفكيك الواجهات الفاخرة التي غطت الشارع الرئيسي للمدينة لمدة أسبوع. لكن خلف عمليات التفكيك هذه، تبرز حقيقة أعمق من مجرد ديكورات مؤقتة؛ إذ يرى المحللون أن "شارع دافوس الرئيسي" (The Promenade) بات يقدم قراءة أدق لاتجاهات الاقتصاد العالمي وموازين القوى السياسية أكثر من الخطابات الرسمية التي تُلقى داخل قاعات مركز المؤتمرات.

  • في هذا العام، لم تعد الواجهات تعبر عن مجرد شركات تبحث عن عملاء، بل تحولت إلى "مانيفستو" بصري يكشف عن صعود قوى جغرافية جديدة، وهيمنة قطاعات تقنية ثورية، وتراجع حاد لقطاعات كانت بالأمس القريب هي سيدة الموقف.
قسم : اقتصاد مالى مع انقشاع ضباب مدينة دافوس السويسرية ومغادرة الوفود المشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، يبدأ عمال التجهيزات في تفكيك الواجهات الفاخرة التي غطت الشارع الرئيسي للمدينة لمدة أسبوع. لكن خلف عمليات التفكيك هذه، تبرز حقيقة أعمق من مجرد ديكورات مؤقتة؛ إذ يرى المحللون أن "شارع دافوس الرئيسي" (The Promenade) بات يقدم قراءة أدق لاتجاهات الاقتصاد العالمي وموازين القوى السياسية أكثر من الخطابات الرسمية التي تُلقى داخل قاعات مركز المؤتمرات.  في هذا العام، لم تعد الواجهات تعبر عن مجرد شركات تبحث عن عملاء، بل تحولت إلى "مانيفستو" بصري يكشف عن صعود قوى جغرافية جديدة، وهيمنة قطاعات تقنية ثورية، وتراجع حاد لقطاعات كانت بالأمس القريب هي سيدة الموقف.
واجهة "دافوس" الصامتة: كيف أعاد المنتدى الاقتصادي رسم خارطة القوة العالمية؟

واجهة "دافوس" الصامتة: كيف أعاد المنتدى الاقتصادي رسم خارطة القوة العالمية؟


شارع دافوس بارومتر غير رسمي للاقتصاد العالمي

تعتبر عملية استئجار المحلات التجارية، والمعارض، وحتى الكنائس والعيادات البيطرية في دافوس لتحويلها إلى أجنحة دولية (Country Houses) أو مقرات للشركات، ظاهرة فريدة تزداد كلفةً عاماً بعد عام. فالشركات الكبرى والدول الطموحة تدفع مبالغ فلكية قد تصل إلى مليون دولار للموقع الواحد خلال أسبوع واحد فقط، ليس لمجرد التباهي، بل لضمان التواجد في "غرفة العمليات" التي يُصنع فيها القرار العالمي.

  • هذا العام، كشفت الخارطة البصرية للشارع عن تحول جوهري؛ فبينما كانت البنوك الاستثمارية الكبرى مثل "غولدمان ساكس" و"جيه بي مورغان" تهيمن على المشهد قبل عام 2008، أصبحت اليوم تفضل البقاء في الظل أو في مقرات أقل صخباً لتجنب انتقادات البذخ. في المقابل، اندفعت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وصناديق الثروة السيادية لملء هذا الفراغ.

صعود الشرق الأوسط السعودية والإمارات تقودان المشهد

من أبرز الملامح التي توقف عندها المراقبون في نسخة هذا العام هو الحضور الطاغي لدول الشرق الأوسط، وبشكل خاص المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. لم يكن التواجد الخليجي مجرد حضور بروتوكولي، بل كان انعكاساً لتحول هذه الدول إلى محركات رئيسية للاستثمار العالمي.

  1. الأجنحة السعودية والإماراتية التي امتدت على مساحات واسعة وبصمة معمارية لافتة، بعثت برسالة واضحة مفادها أن المنطقة لم تعد مجرد مورد للطاقة، بل هي مركز عالمي للابتكار، واللوجستيات، والذكاء الاصطناعي. هذا الحضور المكثف يعكس نجاح رؤى التطوير الشاملة (مثل رؤية السعودية 2030) في جذب أنظار قادة الأعمال الدوليين الذين باتوا ينظرون إلى الرياض ودبي كوجهات لا غنى عنها في أي استراتيجية نمو مستقبلية.

ثورة الذكاء الاصطناعي هل هي "فقاعة" أم واقع دائم؟

إذا كان عام 2022 هو عام "العملات المشفرة" في دافوس، فإن هذا العام ينتمي بلا منازع للذكاء الاصطناعي. الشعارات التي كانت تروج لـ "البلوكشين" و"الميتافيرس" اختفت تماماً، وحلت مكانها لافتات ضخمة لشركات مثل "أوبن أي آي" (OpenAI)، "مايكروسوفت"، و"ميسترال أي آي".

حتى الدول بدأت تعيد تعريف هويتها الاقتصادية من خلال هذه التقنية. فالهند، التي اشتهرت لسنوات بشعار "صنع في الهند" (Make in India)، رفعت هذا العام شعار "الذكاء الاصطناعي للجميع"، في إشارة إلى طموحها لتصبح القوة العاملة الأكبر في مجال البرمجيات الذكية.

  • لكن هذا الحضور المكثف يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نعيش "فقاعة دافوس" جديدة؟ يرى المتشائمون أن سرعة اختفاء شركات العملات المشفرة من واجهة الشارع قد تتكرر مع شركات الذكاء الاصطناعي إذا لم تنجح في تحويل وعودها إلى أرباح حقيقية. ومع ذلك، يبدو الاتجاه العام في دافوس هذه المرة أكثر رسوخاً، حيث يتغلغل الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات التشغيلية لشركات الصناعة والخدمات، وليس فقط في قطاع التقنية.

تراجع القوى التقليدية بريطانيا وأوروبا في موقف دفاعي

في المقابل، لوحظ تراجع نسبي في الحضور البريطاني والأوروبي على الواجهة الرئيسية. فبعد أن كانت شركات إدارة الأصول والتأمين البريطانية تشكل ركيزة أساسية في دافوس، لم يتبقَ من التمثيل البريطاني القوي سوى بنك "ستاندرد تشارترد". هذا التراجع يراه البعض انعكاساً للتحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة العجوز والمملكة المتحدة في مرحلة ما بعد البريكست، وضغوط التضخم، والنمو المتباطئ.

  1. بينما حافظت الولايات المتحدة على هيمنتها من خلال شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات الاستشارات مثل "ماكينزي"، التي استأجرت مواقع استراتيجية (مثل الكنيسة الشهيرة عند مدخل مركز المؤتمرات) لتأكيد قيادتها للفكر الاقتصادي العالمي.

الخلاصة دافوس كمرآة للمستقبل

إن ما يحدث في "شارع دافوس" هو تجسيد حي لنظرية "الانتقال الجيوسياسي والاقتصادي". فنحن ننتقل من عالم تقوده المؤسسات المالية التقليدية في الغرب، إلى عالم متعدد الأقطاب تقوده التكنولوجيا الفائقة وصناديق الثروة السيادية الطموحة في الشرق والجنوب العالمي.

  • سواء كانت شركات الذكاء الاصطناعي ستبقى على هذه الواجهة في العام المقبل أم لا، فإن الأكيد هو أن موازين القوى قد تغيرت بالفعل. واجهة دافوس ليست مجرد مساحة إعلانية، بل هي الخريطة الحقيقية التي تخبرنا أين تتجه الأموال، ومن يملك زمام المبادرة في تشكيل القرن الحادي والعشرين. ومع رحيل الوفود، تظل الدروس المستفادة من "واجهة المدينة" هي البوصلة التي سيهتدي بها المستثمرون في الأشهر القادمة.


author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent