صراع السيادة الرقمية والخضراء: لماذا يستعصي كسر قبضة الصين على المعادن الحيوية؟
اقتصاد مالى
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو "العصر الأخضر" والتحول الرقمي الشامل، برزت حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها: الطاقة النظيفة ليست نظيفة تماماً من الحسابات السياسية. في قلب هذا التحول، تتربع الصين على عرش "المعادن الحيوية"، وهي المواد التي تمثل الشرايين الحقيقية لصناعات المستقبل؛ من بطاريات السيارات الكهربائية إلى توربينات الرياح، وصولاً إلى أنظمة الصواريخ الموجهة وأجهزة الاستخبارات الاصطناعية.
- هذا التقرير يستعرض أبعاد الهيمنة الصينية، ولماذا تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها صعوبة بالغة في تفكيك هذه القبضة رغم المليارات المرصودة والتحالفات المشكلة.
 |
| صراع السيادة الرقمية والخضراء: لماذا يستعصي كسر قبضة الصين على المعادن الحيوية؟ |
صراع السيادة الرقمية والخضراء: لماذا يستعصي كسر قبضة الصين على المعادن الحيوية؟
ما هي المعادن الحيوية ولماذا يرتجف العالم لفقدانها؟
قبل الغوص في الأرقام، يجب أن نفهم ماهية هذه المواد. المعادن الحيوية (Critical Minerals) والعناصر الأرضية النادرة (Rare Earth Elements) ليست بالضرورة "نادرة" من حيث الوجود في القشرة الأرضية، لكن "ندرتها" تكمن في صعوبة العثور عليها بتركيزات اقتصادية، وتعقيد عمليات استخراجها وتنقيتها.
تضم القائمة نحو 50 عنصراً، أبرزها:
الليثيوم والكوبالت والنيكل: أعصب صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
العناصر الأرضية النادرة (مثل النيوديميوم والديسبروسيوم): تدخل في صناعة المغناطيسات فائقة القوة للمحركات والتوربينات.
الغاليوم والجرمانيوم: أساسيان في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة وأنظمة الرادار.
الغرافيت: المكون الرئيسي للأنود في البطاريات.
الجذور التاريخية كيف سبقت الصين الجميع بـ 30 عاماً؟
لم تكن هيمنة بكين وليدة الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية بدأت منذ أوائل التسعينيات. بينما كان الغرب يغلق مناجمه ومصانع التكرير لدواعٍ بيئية واقتصادية (تفضيل الاستيراد الأرخص)، كانت الصين تتبنى مقولة الزعيم "دنغ شياو بينغ" الشهيرة عام 1992: "الشرق الأوسط لديه النفط، والصين لديها العناصر الأرضية النادرة".
استراتيجية "السيطرة الهادئة" اعتمدت على ثلاثة محاور:
الاستثمار الخارجي العدواني: الاستحواذ على مناجم في أفريقيا (مثل كوبالت الكونغو) وأمريكا الجنوبية (مثل ليثيوم بوليفيا وتشيلي) وأستراليا.
بناء منظومة التكرير: ركزت الصين على أن تصبح "المعمل العالمي"، حيث تسيطر حالياً على أكثر من 80% من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً.
التضحية البيئية مقابل السيادة: قبلت الصين التكاليف البيئية الباهظة لعمليات التكرير الكيميائية الملوثة، وهو ما رفضته المجتمعات الغربية لعقود.
أزمة 2025 عندما تحولت المعادن إلى "سلاح نووي" تجاري
شهد عام 2025 وما تلاه منعطفاً خطيراً في العلاقات الدولية. فمع تصاعد الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قررت بكين استخدام "ورقة الضغط القصوى".
أدت قيود التصدير الصينية على العناصر الأرضية النادرة في أبريل 2025 إلى إصابة سلاسل التوريد العالمية بالشلل. لم يكن الأمر مجرد نقص في المواد الخام، بل كان رسالة سياسية مفادها: "لا يمكنكم بناء مستقبلكم الأخضر بدون إذننا".
هذه الأزمة دفعت الولايات المتحدة لإطلاق "مشروع فولت" (Project Volt)، وهو برنامج طموح بقيمة 12 مليار دولار لبناء مخزون استراتيجي ودعم شركات التعدين المحلية، بمشاركة عمالقة مثل "جنرال موتورز" و"بوينغ".
لماذا يصعب كسر هذه القبضة؟ (التحديات الهيكلية)
رغم الجهود الأمريكية والأوروبية الحثيثة، هناك خمس عقبات رئيسية تجعل من "الاستقلال المعدني" هدفاً بعيد المنال في المدى القريب:
1. فجوة التكنولوجيا والخبرات المتراكمة
تكرير المعادن الحيوية ليس مجرد عملية استخراج أتربة؛ بل هو كيمياء معقدة للغاية. تمتلك الصين آلاف براءات الاختراع والمهندسين الذين قضوا عقوداً في تحسين تقنيات الفصل الكيميائي. البدء من الصفر في الغرب يتطلب سنوات من البحث والتطوير لسد هذه الفجوة المعرفية.
2. المعايير البيئية الصارمة في الغرب
بينما تستطيع الصين بناء مجمع تكرير في وقت قياسي، تواجه الشركات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سنوات من إجراءات الحصول على التصاريح البيئية. استخراج الليثيوم، على سبيل المثال، يتطلب كميات هائلة من المياه ويؤثر على التنوع البيولوجي، مما يثير معارضة شعبية وقانونية قوية في الدول الديمقراطية.
3. سلاح الأسعار: "الإغراق" الصيني
تمتلك الصين القدرة على التحكم في الأسعار العالمية. كلما بدأت شركة منافسة في أستراليا أو أمريكا بالنمو، تستطيع بكين إغراق السوق بالخامات بأسعار رخيصة جداً، مما يجعل المنافسين غير قادرين على تغطية تكاليفهم، ويؤدي في النهاية إلى إفلاسهم أو انسحاب المستثمرين منهم.
4. الهيمنة على "المنتجات النهائية"
المشكلة لا تقتصر على المعدن الخام. الصين لا تبيعك "النيوديميوم" فحسب، بل تصنع منه "المغناطيس" وتبيعه لك كمنتج نهائي. حتى لو استخرجت أمريكا المعادن، فإنها غالباً ما تضطر لإرسالها إلى الصين لتحويلها إلى مكونات صناعية، لأن المصانع المتخصصة موجودة هناك.
5. الولاية القضائية العابرة للحدود
كما ورد في النص، بدأت الصين تلمح لفرض قوانين تلاحق المنتجات التي تحتوي على مواد صينية حتى لو تم تداولها دولياً. هذا النوع من "السيادة القانونية" يعقد حسابات الشركات العالمية التي تخشى العقوبات الصينية.
التحركات الدولية هل تنجح "الأقطاب البديلة"؟
لا تقف دول العالم مكتوفة الأيدي؛ فهناك حراك تقوده أربع قوى رئيسية:
الولايات المتحدة: عبر "قانون خفض التضخم" ومشروع "فولت"، تحاول واشنطن إعادة توطين الصناعة (Onshoring) أو نقلها إلى دول حليفة (Friend-shoring).
الاتحاد الأوروبي: خصص 3 مليارات يورو لإنهاء الاعتماد على الصين بحلول عام 2030، مع التركيز على "الاقتصاد الدائري" وإعادة تدوير البطاريات القديمة لاستخراج المعادن منها.
اليابان: تعد النموذج الأنجح، حيث قللت اعتمادها على الصين من 90% إلى أقل من 60% عبر استثمارات ضخمة في مناجم أستراليا وفيتنام بعد أزمة دبلومسية مع الصين عام 2010.
الهند: دخلت السباق بقوة عبر التنقيب عن الليثيوم في أراضيها وتشكيل تحالفات مع دول "مثلث الليثيوم" في أمريكا الجنوبية.
مستقبل الصراع هل نحن أمام "أوبك" للمعادن؟
تتزايد التوقعات بظهور تحالفات شبيهة بـ "أوبك" ولكن للمعادن الحيوية. دول مثل إندونيسيا (التي تملك أكبر احتياطي نيكل) بدأت بالفعل في حظر تصدير الخام لإجبار الشركات على بناء مصانع تكرير على أراضيها.
ومع ذلك، تظل الصين هي "المايسترو" في هذا المشهد. فبموجب الهدنة التجارية التي تمت في أوائل عام 2026، يتنفس العالم الصعداء مؤقتاً، لكن الثقة قد فُقدت تماماً. الجميع الآن يدرك أن الاعتماد على مصدر واحد لمواد استراتيجية هو "خطر وجودي" على الأمن القومي.
الخلاصة الطريق الطويل نحو الاستقلال
كسر قبضة الصين على المعادن الحيوية لن يحدث في عام أو عامين. إنها معركة نَفَس طويل تتطلب:
استثمارات ضخمة لا تهدف للربح السريع بل لتأمين الإمدادات.
ابتكار تقني لتقليل الحاجة لهذه المعادن (مثل البطاريات التي لا تعتمد على الكوبالت).
تسهيل الإجراءات القانونية لعمليات التعدين في الدول الغربية مع الحفاظ على المعايير البيئية.
في النهاية، يبدو أن العالم سيظل "رهينة" للتفوق الصيني في هذا المجال لعقد آخر على الأقل، لكن السباق قد بدأ بالفعل، والنتائج ستحدد ملامح القوة العظمى القادمة في القرن الحادي والعشرين.