خيانة الأمانة وصرخات
العدالة: قراءة في واقعتي "متحرش الميكروباص" و"ذئب مستشفى
الدقهلية"
تعد قضية حماية المرأة وتوفير بيئة آمنة لها في الفضاء العام والخاص من
أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام المصري والعربي في الآونة الأخيرة. وقد فجرت
الحلقة الأخيرة من برنامج "المحقق" نقاشاً واسعاً حول واقعتين تقشعر
لهما الأبدان؛ الأولى تجسد شجاعة فتاة في مواجهة متحرش داخل وسيلة نقل جماعي،
والثانية تكشف عن جريمة بشعة ارتكبها ممرض في غياب وعي مريضة داخل غرفة العمليات
بمحافظة الدقهلية.
- في هذا التقرير، نستعرض التفاصيل الكاملة للواقعتين، ونحلل الأبعاد
القانونية والاجتماعية، ونقدم دليلاً شاملاً حول كيفية حماية أنفسنا وبناتنا من
هذه الانتهاكات.
 |
| خيانة الأمانة وصرخات العدالة: قراءة في واقعتي "متحرش الميكروباص" و"ذئب مستشفى الدقهلية" |
خيانة الأمانة وصرخات العدالة: قراءة في واقعتي "متحرش الميكروباص" و"ذئب مستشفى الدقهلية"
الجزء
الأول: واقعة فتاة الميكروباص.. (تتمة)
استغل هذا الرجل المسن "شنطة" وضعها على ركبته كستار يخفي خلفهنواياه الدنيئة، وبدأ في ملامسة ظهر الفتاة الجالسة أمامه بشكل متكرر. في البداية،
حاولت الفتاة إحسان الظن، معتقدة أن حركة الميكروباص واهتزازات الطريق هي السبب،
أو أن الرجل -باعتباره في سن والدها- لم يقصد ذلك. لكن مع تكرار الفعل وبدء "الشنطة"
في التحرك بشكل مريب، أدركت الفتاة أنها أمام "متحرش محترف" يتخفى خلف
مظهر الوقار.
سلاح التوثيق الرقمي:
لم تكتفِ الفتاة بالصمت أو تغيير مكانها، بل قررت
استخدام هاتفها الذكي كأداة للجريمة. فتحت الكاميرا ووثقت ملامح وجهه وفعلته. وما
إن واجهته بالحقيقة حتى تحول "الذئب" إلى "حمل وديع" يتوسل
إليها بدموع التماسيح، قائلاً: "أنا زي أبوكي.. عندي بنات.. بلاش تخربي بيتي".
- هنا تبرز إشكالية اجتماعية خطيرة: لماذا يتذكر المتحرش بناته وأهل بيته فقط عندما يقع
في قبضة العدالة؟ إن هذا النوع من التحرش يسمى "التحرش
الانتهازي"، وفيه يستغل الجاني ضعف الرقابة وضيق المكان. والرسالة القانونية
هنا واضحة: التنازل عن المحضر هو دعوة للمتحرش لتكرار فعلته مع ضحية أخرى. القانون
المصري في تعديلاته الأخيرة غلظ عقوبة التحرش في وسائل النقل العام لتصل إلى السجن
المشدد، وهو الرادع الوحيد لمثل هذه النفوس الضعيفة.
الجزء
الثاني: فاجعة مستشفى الدقهلية.. انتهاك الحرمات تحت تأثير البنج
ننتقل من ضجيج الميكروباص إلى صمت غرف العمليات، حيث وقعت الجريمة الأكثر
إيلاماً وبشاعة في محافظة الدقهلية. القصة تبدأ بسيدة دخلت لإجراء جراحة بسيطة في
الفك، وهي عملية تتطلب "بنجاً كلياً". وبينما كان زوجها وأهلها يقفون
خارج الأبواب، يدعون الله بسلامتها وينتظرون خروجها بفارغ الصبر، كان هناك "ممرض"
تجرد من إنسانيته ومن شرف مهنته ليحول غرفة الإفاقة إلى مسرح لجريمة يندى لها
الجبين.
شجاعة "الممرضة النبيلة":
لولا يقظة ممرضة أخرى، لربما مرت هذه الجريمة دون
عقاب. دخلت الممرضة غرفة الإفاقة لتجد زميلها في وضع مخل تماماً مع المريضة التي
لا تزال تحت تأثير المخدر. لم تتردد الممرضة الشجاعة، ولم تخشَ من "الفضيحة"
أو "قطع العيش"، بل قامت بدورها الأخلاقي والمهني وأبلغت إدارة المستشفى
والأجهزة الأمنية فوراً.
اعترافات صادمة:
أثبتت التحقيقات أن الممرض الجاني، وبكل برود، أعطى
المريضة "حقنة مخدرة إضافية" ليضمن عدم استيقاظها أثناء اعتدائه عليها. وعند
استجوابه، برر فعلته بـ "تعاطي مخدر الحشيش" و"غواية الشيطان"،
وهي مبررات لا تسمن ولا تغني من جوع أمام هول الفاجعة. هذه الواقعة تفتح الباب
أمام تساؤلات ملحة حول معايير اختيار الأطقم الطبية، وضرورة وجود رقابة بالكاميرات
في أروقة المستشفيات (مع مراعاة خصوصية المرضى)، وضمان عدم انفراد أي كادر طبي
بمريض غائب عن الوعي.
الجزء
الثالث: التحليل القانوني والعقوبات المتوقعة
وفقاً لقانون العقوبات المصري، تندرج هاتان الواقعتان تحت بنود مغلظة:
1.
في واقعة الميكروباص: التحرش الجنسي في وسيلة
نقل عام يُعد ظرفاً مشدداً. المادة 306 مكرر (أ) تنص على عقوبات بالحبس والغرامة،
وتصل إلى السجن إذا تكرر الفعل أو كان للجاني سلطة على المجني عليها.
2.
في واقعة المستشفى: نحن هنا بصدد جريمة "هتك
عرض" مريضة مستغلاً عدم قدرتها على المقاومة (فقدان الوعي). هذه الجريمة
عقوبتها السجن المشدد، وقد تصل إلى المؤبد في حالات معينة، نظراً لأن الجاني مؤتمن
على حياة المريضة، ولأن الفعل وقع داخل مؤسسة علاجية.
الجزء
الرابع: كيف نحمي بناتنا وسيداتنا؟ (دليل التوعية)
إن الغرض الرئيسي من طرح هذه القضايا ليس التخويف، بل "التوعية
الفعالة". إليكم بعض النصائح الجوهرية:
·
أولاً: في المواصلات العامة:
o
عدم
الصمت: الصراخ أو المواجهة الكلامية تجعل المتحرش في موقف ضعف وتجمع حولك الشهود.
o
التوثيق:
إذا سمحت الظروف، التصوير بالهاتف هو الدليل القاطع الذي لا يمكن إنكاره أمام
النيابة.
o
المحضر
الرسمي: لا تكتفي بـ "أخذ حقك بيدك" أو "الضرب بالجزمة"؛
المحضر هو الوحيد الذي يضمن إيداع هذا الشخص خلف القضبان.
·
ثانياً: في المؤسسات الطبية:
o
حق
المرافقة: من حق المريض أو أهله التأكد من وجود طاقم تمريض نسائي مع السيدات في
غرف الإفاقة.
o
السؤال
عن الإجراءات: لا تتردد في سؤال إدارة المستشفى عن ضمانات الأمان والرقابة داخل
الأقسام الحساسة.
o
مراقبة
الحالة بعد الإفاقة: إذا شعرت المريضة بأي آلام غير مبررة أو رأت علامات مريبة بعد
الإفاقة، يجب طلب فحص طبي فوري من جهة محايدة.
الجزء
الخامس: دور المجتمع والإعلام في "الردع المجتمعي"
إن البرامج التي تسلط الضوء على هذه الحوادث، مثل برنامج "المحقق"،
تؤدي دوراً حيوياً في خلق حالة من "الردع المجتمعي". عندما يعلم كل شخص
تسول له نفسه الاعتداء على أنثى أن صورته ستُنشر، وأن القانون سيلاحقه، وأنه لن
يجد من يدافع عنه، سيفكر ألف مرة قبل ارتكاب جرمه.
كما يجب توجيه التحية لكل "ممرضة نبيلة" أو "فتاة شجاعة"
ترفض التستر على الخطأ. فالستر يكون للعيوب، أما الجرائم فالسكوت عنها اشتراك فيها.
الخاتمة:
إن حماية المرأة هي مسؤولية مشتركة تبدأ من التربية في المنزل، وتمر بقوة
القانون، وتنتهي بوعي المجتمع. واقعة الميكروباص وواقعة مستشفى الدقهلية هما جرس
إنذار لنا جميعاً لنكون أكثر يقظة. نحن لا نتهم مهنة التمريض العظيمة (جيش مصر
الأبيض) بفعل فردي، ولا نتهم كل مرتادي المواصلات، ولكننا نحذر من "الذئاب
البشرية" التي تتربص باللحظات التي يغيب فيها الرقيب.
حفظ الله نساءنا وبناتنا، وأدام على بلادنا الأمن والأمان، وجعل القانون
سيفاً مسلطاً على رقاب المفسدين.