مراجعة فيلم "هامنت" (Hamnet): كيف صنع الحزن الشخصي أسطورة "هاملت" لشكسبير؟
يعتبر الأدب الشكسبيري معيناً لا ينضب للسينما العالمية، لكن فيلم "هامنت" (Hamnet)، من إخراج الحائزة على الأوسكار كلوي تشاو، يختار زاوية مغايرة تماماً. فهو لا يقتبس مسرحية، بل يفتش في "ما وراء النص"، باحثاً عن الوجع الإنساني الذي سبقت ولادة أعظم تراجيديا في تاريخ البشرية: "هاملت".
- في هذا المقال، نسلط الضوء على فيلم "هامنت"، المقتبس عن رواية الكاتبة البريطانية ماغي أوفاريل، ونحلل كيف استطاعت السينما أن تحول الفقد العائلي إلى لوحة بصرية تدمج بين الواقع التاريخي والتخييل العاطفي.
 |
| مراجعة فيلم "هامنت" (Hamnet): كيف صنع الحزن الشخصي أسطورة "هاملت" لشكسبير؟ |
مراجعة فيلم "هامنت" (Hamnet): كيف صنع الحزن الشخصي أسطورة "هاملت" لشكسبير؟
قصة فيلم "هامنت": من مرارة الفقد إلى خلود الفن
تدور أحداث فيلم "هامنت" في إنجلترا خلال القرن السادس عشر، وتحديداً في بلدة ستراتفورد. القصة لا تبدأ بعبقرية ويليام شكسبير الأدبية، بل تبدأ بقصة حب غير تقليدية بين شاب يعمل مدرساً للغة اللاتينية، يدعى ويل (يؤديه بول ميسكال)، وامرأة غامضة، فطرية، ومرتبطة بالطبيعة تدعى أغنيس (تؤديها جيسي باكلي).
- الفيلم يتتبع مسار هذه العائلة عبر سنوات من الطموح والغربة، حيث يرحل ويل إلى لندن بحثاً عن المجد في المسرح، بينما تظل أغنيس في الريف ترعى أطفالهما الثلاثة: سوزانا والتوأم هامنت وجوديث. الصدمة الكبرى التي يرتكز عليها العمل هي وفاة الابن "هامنت" في سن الحادية عشرة متأثراً بالطاعون. هذا الموت لا ينهي الحكاية، بل يفتح باباً للتساؤل حول كيف يمكن للألم الشخصي أن يتحول إلى "فعل ثقافي" خالد من خلال مسرحية "هاملت".
التحليل الشخصي: أغنيس شكسبير كمركز أخلاقي
في معظم السير الذاتية لشكسبير، تُهمش زوجته "آن هاثاواي" (التي يطلق عليها الفيلم اسم أغنيس). لكن في رؤية كلوي تشاو، تصبح أغنيس هي البطلة الحقيقية والمركز العاطفي للفيلم.
جيسي باكلي: أداء يجسد الحزن الجسدي
قدمت جيسي باكلي أداءً استثنائياً يبتعد عن كليشيهات العويل والصراخ. حزن أغنيس في الفيلم هو "حزن جسدي"؛ تراه في طريقة تنفسها، في نظراتها المنكسرة نحو الفراغ الذي تركه ابنها، وفي صمتها الطويل. إنها تمثل المعرفة الفطرية والارتباط بالأرض، وهي النقيض لزوجها الذي يمثل الكلمة المكتوبة والطموح المدني.
بول ميسكال: شكسبير الإنسان لا الأسطورة
يؤدي بول ميسكال دور "ويل" ببراعة، حيث يظهره كرجل ممزق. هو ليس "الشاعر العظيم" الذي نعرفه، بل هو أب عاجز عن مواجهة الموت، يهرب من حزنه بالعمل والارتحال. الفيلم يطرح إشكالية أخلاقية: هل الفن وسيلة للبقاء أم هو هروب من المسؤولية العاطفية؟
الرؤية الإخراجية لكلوي تشاو: الطبيعة كشخصية درامية
اشتهرت المخرجة كلوي تشاو بقدرتها على تطويع المناظر الطبيعية لخدمة الحالة النفسية لأبطالها (كما فعلت في فيلم Nomadland). في "هامنت"، تستخدم الكاميرا الغابات، الرياح، والضوء الطبيعي لتعكس عالم أغنيس الداخلي.
الكادر البصري: تعتمد تشاو على لقطات قريبة جداً للوجوه ولقطات واسعة للطبيعة، مما يخلق توازناً بين "الحميمية المنزلية" و"عظمة الوجود".
الرمزية: تظهر الأعشاب والطيور والطقس كرموز للحياة والموت، مما يضفي طابعاً روحانياً على الفيلم يجعله يتجاوز كونه مجرد دراما تاريخية.
الموسيقى التصويرية: استعارة الحزن من "ماكس ريختر"
لعبت الموسيقى دوراً محورياً في تعزيز المناخ الجنائزي للفيلم. استخدام مقطوعة "On the Nature of Daylight" للمؤلف ماكس ريختر أضفى مسحة من الشجن المألوف، ورغم نقد البعض لهذا الاختيار لكونه استُخدم كثيراً في السينما، إلا أنه في سياق "هامنت" نجح في ربط المشاهد بلحظة الفقد الكبرى.
العلاقة بين "هامنت" و"هاملت": فرضية الفن والترميم
يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: لماذا منح شكسبير ابنه المتوفى (هامنت) حياة ثانية من خلال مسرحيته (هاملت)؟
تاريخياً، كان الاسمان (Hamnet و Hamlet) يُستخدمان بالتبادل في العصر الإليزابيثي. الفيلم يقترح أن كتابة المسرحية كانت محاولة من الأب للتصالح مع ذنبه، ولإعطاء ابنه الخلود الذي حُرم منه في الواقع.
تصل الذروة العاطفية عندما تشاهد أغنيس المسرحية في لندن، لتكتشف أن زوجها لم ينسَ ابنهما، بل حوّل موته إلى مرآة يرى فيها العالم كله معنى الفقد.
نقد فيلم هامنت: بين الواقع التاريخي والإنصاف النسوي
رغم الجمال البصري والأداء القوي، واجه الفيلم بعض النقاشات النقدية حول نقطتين:
الدقة التاريخية: يرى المؤرخون أن هناك فجوة زمنية تقدر بـ 4 سنوات بين وفاة هامنت وكتابة مسرحية هاملت، مما يجعل الربط المباشر بينهما مجرد "تخييل أدبي". لكن الفيلم يدافع عن نفسه بكونه يبحث عن "الحقيقة العاطفية" لا "الكرونولوجيا التاريخية".
النقد النسوي: يحاول الفيلم نقد "أسطورة العبقرية الذكورية". فهو يظهر أن إبداع شكسبير لم يكن ليحدث لولا الصمود العاطفي والعمل المنزلي الشاق الذي قامت به أغنيس. ومع ذلك، يعتقد البعض أن نهاية الفيلم بمسرحية شكسبير تعيد المركزية للرجل مرة أخرى.
شكسبير في السينما: أين يقع "هامنت"؟
لا يكتمل الحديث عن "هامنت" دون مقارنته بإرث السينما الشكسبيرية:
الاقتباس الكلاسيكي: مثل "هاملت" (1948) للورنس أوليفييه، الذي ركز على النص المسرحي.
التحديث البصري: مثل "روميو وجولييت" (1996) لباز لورمان.
البُعد النفسي: مثل "ماكبث" (2015) لجاستن كورزل.
يتميز "هامنت" عن كل هؤلاء بأنه فيلم عن "نشأة الفن" وليس عن "الفن نفسه". إنه فيلم عن التجربة الإنسانية الخام التي تسبق الحبر والورق.
الأسئلة الشائعة حول فيلم هامنت (Hamnet)
هل قصة فيلم هامنت حقيقية؟
الفيلم مقتبس عن رواية تتخيل حياة عائلة شكسبير بناءً على حقائق تاريخية قليلة جداً. فوفاة ابنه هامنت في سن الـ11 حقيقة، ولكن التفاصيل العاطفية وكيفية كتابة المسرحية هي من وحي خيال المؤلفة ماغي أوفاريل.
من هم أبطال فيلم هامنت؟
الفيلم من بطولة جيسي باكلي في دور أغنيس، وبول ميسكال في دور ويليام شكسبير، مع مشاركة مميزة لـ إميلي واتسون وجو ألوين.
ما هي العلاقة بين هامنت وهاملت؟
هامنت هو اسم ابن شكسبير الوحيد الذي توفي صغيراً. هاملت هي أشهر مسرحية تراجيدية كتبها شكسبير لاحقاً. الفيلم والرواية يربطان بين الاسمين كنوع من التكريم والخلود الفني للابن الراحل.
الخلاصة: لماذا يجب عليك مشاهدة فيلم "هامنت"؟
فيلم "هامنت" ليس مجرد دراما تاريخية مملة، بل هو رحلة استكشافية في أعماق النفس البشرية عند مواجهة الفقد. إنه فيلم يحتفي بالمرأة "المجهولة" خلف العبقري "المشهور"، ويقدم رؤية بصرية مذهلة تجعل من الحزن مادة للجمال.
إذا كنت تبحث عن فيلم يجمع بين الأداء التمثيلي العبقري، الإخراج المبدع، والقصة التي تلمس الروح، فإن "هامنت" هو خيارك الأول. إنه يذكرنا بأن وراء كل نص عظيم.. قلب محطم.