recent
أخبار ساخنة

مراجعة فيلم "Sentimental Value" (قيمة عاطفية): رحلة يواكيم ترير في دهاليز الذاكرة والإرث العائلي

مراجعة فيلم "Sentimental Value" (قيمة عاطفية): رحلة يواكيم ترير في دهاليز الذاكرة والإرث العائلي

تعد السينما النرويجية المعاصرة واحدة من أبرز الواجهات الفنية التي استطاعت ملامسة الوجدان العالمي في السنوات الأخيرة، ويقف المخرج يواكيم ترير (Joachim Trier) على رأس هذه النهضة. في فيلمه الجديد "قيمة عاطفية" (Sentimental Value)، يعود ترير ليؤكد نضجه السينمائي، مقدماً عملاً يغوص في أعماق النفس البشرية، ويشرح ببراعة "تشريح العلاقات العائلية" المتصدعة تحت وطأة الطموح الفني والإرث التاريخي.

  • في هذا المقال، سنستعرض تحليلاً شاملاً لفيلم "قيمة عاطفية"، بدءاً من القصة والأداء التمثيلي، وصولاً إلى الرؤية الإخراجية والرموز الفنية التي وظفها ترير لصياغة هذه الملحمة الإنسانية.
نقد فيلم Sentimental Value  يواكيم ترير (Joachim Trier)  ستيلان سكارسغارد (Stellan Skarsgård)  ريناتي رينسفه (Renate Reinsve)  مراجعة فيلم قيمة عاطفية  السينما النرويجية المعاصرة  تحليل أفلام يواكيم ترير  دراما عائلية في السينما  أفلام مهرجان كان 2026 (إذا انطبق السياق)  الإرث والذاكرة في السينما
مراجعة فيلم "Sentimental Value" (قيمة عاطفية): رحلة يواكيم ترير في دهاليز الذاكرة والإرث العائلي

مراجعة فيلم "Sentimental Value" (قيمة عاطفية): رحلة يواكيم ترير في دهاليز الذاكرة والإرث العائلي


السياق الفني: يواكيم ترير ومرحلة النضج

منذ بدايته بفيلم Reprise (2006) ومروراً بفيلمه الأيقوني Oslo, August 31st وصولاً إلى النجاح العالمي لفيلم The Worst Person in the World، انشغل ترير بأسئلة الهوية، والزمن، وكيفية ترجمة المشاعر الداخلية العميقة إلى لغة بصرية. في فيلم Sentimental Value، يبتعد ترير قليلاً عن تساؤلات الشباب والبحث عن الذات، ليوجه عدسته نحو "الخريف العمر"، حيث تصبح الذاكرة هي المادة الخام الوحيدة المتبقية للإبداع.

قصة فيلم Sentimental Value: حين يصبح الماضي موقعاً للتصوير

تدور أحداث الفيلم حول شخصية غوستاف بورغ (يؤديه ببراعة ستيلان سكارسغارد)، وهو مخرج سينمائي مخضرم، يعيش في خريف حياته المهنية. غوستاف ليس مجرد فنان؛ بل هو نموذج للمبدع الأناني الذي طالما وضع فنه فوق التزاماته الأبوية.

  • بعد وفاة زوجته السابقة، يقرر غوستاف العودة إلى المنزل العائلي القديم، وهو بيت خشبي فخم في ريف النرويج، ليس فقط للحداد، بل للتحضير لمشروعه السينمائي الأخير: فيلم يتناول سيرة والدته الراحلة وتجربتها الأليمة مع تعذيب النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

تتعقد الحبكة حين يطلب غوستاف من ابنته الكبرى نورا (ريناتي رينسفه)، الممثلة المسرحية الناجحة التي تعاني من اضطرابات داخلية، أن تؤدي دور جدتها. هذا الطلب يفتح جروحاً قديمة لم تلتئم؛ فنورا لا ترى في عرض والدها رغبة في المصالحة، بل محاولة أخرى لاستغلال ألم العائلة من أجل مجده الشخصي.


تحليل الشخصيات: صراع الأجيال والإرث العاطفي

1. غوستاف بورغ (ستيلان سكارسغارد): الأنانية المبدعة

يقدم سكارسغارد واحداً من أعظم أدواره، حيث يجسد شخصية المخرج الذي يرى العالم من خلال "كادر" الكاميرا فقط. غوستاف يمتلك كاريزما طاغية تجذب الممثلين والجمهور، لكنه يفتقر إلى الأدوات العاطفية للتعامل مع ابنتيه. بالنسبة له، المأساة العائلية هي "مادة جيدة للسيناريو"، وهذا الانفصال الأخلاقي هو المحرك الأساسي للصراع في الفيلم.

2. نورا (ريناتي رينسفه): ضحية الإهمال الأبوي

بعد تألقها في "أسوأ شخص في العالم"، تعود رينسفه لتجسد شخصية نورا، المرأة التي تحاول بناء هويتها بعيداً عن ظل والدها المهيمن. نورا تمثل الجانب الرافض لـ "تسليع المشاعر". رفضها للدور هو فعل تمرد على سنوات الغياب الأبوي، وهو ما يضع الفيلم في منطقة رمادية بين الرغبة في الغفران والتمسك بالحق في الغضب.

3. أغنيس: المؤرخة في مواجهة الفنان

تمثل الابنة الصغرى أغنيس (الأكاديمية) صوتاً مختلفاً. فبينما يحاول غوستاف "درمتة" الماضي وإعادة تخيله فنياً، تسعى أغنيس للبحث عن الحقائق التاريخية المجردة. هذا التضاد يطرح سؤالاً فلسفياً: هل الحقيقة ملك للمؤرخ الذي يدونها، أم للفنان الذي يمنحها روحاً وعاطفة؟


البيت الخشبي: رمزية المكان في سينما ترير

لا يمكن الحديث عن فيلم "Sentimental Value" دون التوقف عند الموقع الرئيسي للأحداث: المنزل العائلي. في هذا الفيلم، يتحول البيت من مجرد جدران إلى "أرشيف حي".

  • المكان كشاهد: البيت شهد انتحار الجدة، تربية البنات، ورحيل الأب.

  • السينما كبيت بلا نوافذ: يشبه ترير السينما في هذا العمل بالبيت الذي يعزل قاطنيه عن الواقع، حيث تنغلق الشخصيات على ذكرياتها وتصوراتها الخاصة، مما يجعل التواصل مع العالم الخارجي أمراً شبه مستحيل.


الفن والتعافي: هل يداوي الإبداع جروح الحياة؟

أحد أعمق التساؤلات التي يطرحها الفيلم هو: هل يمتلك الفن القدرة على إصلاح ما أفسدته الحياة؟
عندما ترفض نورا الدور، يسنده غوستاف إلى نجمة هوليوودية شابة (رايتشل كيمب). هذا الإزاحة العاطفية تعكس كيف يعالج الفنان أزماته؛ فإذا فشل في التواصل مع ابنته الحقيقية، فإنه "يخترع" ابنة أو أماً بديلة على الشاشة. الفن هنا ليس وسيلة للتعافي بقدر ما هو "آلية دفاعية" للهروب من الواقع المرير.


الرؤية البصرية والإخراجية

يتميز "قيمة عاطفية" بلغة بصرية تتسم بالسلاسة والإيقاع المدروس. يعتمد ترير على:

  • تداخل الأزمنة: المونتاج يمزج بين الحاضر وبين لقطات من الفيلم الذي يصوره غوستاف داخل الفيلم الأصلي، مما يخلق حالة من الغموض حول ما هو حقيقي وما هو تمثيل.

  • التأثير البيرغماني: تظهر بصمات المخرج السويدي الكبير إنغمار بيرغمان بوضوح في كيفية تصوير الوجوه والتركيز على الوقفات الطويلة والحوارات العميقة التي تفكك الروابط العائلية.

  • الإضاءة: استخدام الإضاءة الطبيعية في المنزل الخشبي يعزز من جو الحنين (Nostalgia) والشعور بالثقل التاريخي للمكان.


نقد الفيلم: بين التسامح والعدالة الأخلاقية

يثير الفيلم جدلاً أخلاقياً في نهايته. هل كان ترير متسامحاً أكثر من اللازم مع شخصية الأب الأناني؟
البعض قد يرى أن الفيلم يبرر "عثرات العباقرة" بحجة إنتاج الفن العظيم. ومع ذلك، فإن القراءة الأعمق توحي بأن ترير لا يصدر أحكاماً، بل يعرض "التعقيد الإنساني". فالعلاقات المتصدعة لا تنتهي دائماً بصرخات غضب، بل أحياناً تنتهي بإقرار هادئ بأننا لا نستطيع تغيير الماضي، ولكن يمكننا فقط الاعتراف بوجوده.


لماذا يجب عليك مشاهدة "Sentimental Value"؟

  1. أداء تمثيلي استثنائي: مباراة تمثيلية رفيعة المستوى بين سكارسغارد ورينسفه.

  2. عمق فلسفي: الفيلم يجعلك تتساءل عن قيمة ذكرياتك الخاصة وكيف تشكل هويتك.

  3. تجربة سينمائية متكاملة: يجمع بين جماليات السينما الأوروبية وبين السرد القصصي المشوق.

  4. فهم سيكولوجية الفنان: يقدم نظرة ثاقبة حول ضريبة الإبداع وتكلفته الإنسانية.


الخاتمة: السينما كمرآة للروح

في الختام، فيلم "قيمة عاطفية" (Sentimental Value) هو رسالة حب (ومعاناة) للسينما وللعائلة. يثبت يواكيم ترير مرة أخرى أنه مخرج يعرف كيف يلمس الأماكن التي نخشى الاقتراب منها في أنفسنا. الفيلم لا يقدم حلولاً وردية، بل يتركنا مع اعتراف هادئ: الحياة والقصص التي نرويها عنها وجهان لعملة واحدة، والألم الذي نتوارثه عبر الأجيال قد يكون هو نفسه الوقود الذي يصنع أعظم أعمالنا الفنية.

إذا كنت تبحث عن فيلم يحترم ذكاءك العاطفي ويقدم لك تجربة بصرية وفكرية غنية، فإن "Sentimental Value" هو خيارك الأول لهذا العام.




author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent