يُعد فيلم الرسوم المتحركة القصير "جيم 1983" (Jim 1983) للمخرج المبدع جورج أبو
محيا، والمنتج والمشارك في الكتابة جورج مكتبي، واحداً من أهم الإنتاجات
السينمائية اللبنانية المعاصرة التي نجحت في تطويع لغة "الأنيميشن" لخدمة
قضايا الذاكرة والهوية. في هذا التقرير المفصل، نستعرض أبعاد هذا العمل الفني،
وكيف استطاع من خلال رحلة طفل في السابعة من عمره أن يختصر مأساة جيل كامل، مع
التركيز على الخيال كأداة للمقاومة والنجاة.
 |
| فيلم "جيم 1983": عندما يصبح الخيال طوق نجاة في قلب الحرب اللبنانية |
فيلم "جيم 1983": عندما يصبح الخيال طوق نجاة في قلب الحرب اللبنانية
ملخص القصة يوم في
حياة "جيم" بين الركام
تدور أحداث الفيلم في يوم واحد مكثف من عام 1983، وهي فترة شهدت ذروة
الصراع في بيروت. بطل الفيلم هو "جيم"، طفل في السابعة من عمره، يجد
نفسه في فضاء مدينة ممزقة بخطوط التماس.
- يبدأ الفيلم مع إعلان "هدنة" أو وقف هش لإطلاق النار. هذه
الفجوة الزمنية البسيطة هي "المتنفس" الذي يستغله جيم ليخرج إلى الشوارع.
لكن جيم لا يخرج ليرى الدمار، بل يخرج ليفرض "قانونه الخاص". هو لا
يعترف بسلطة الميليشيات، بل يواجه رجال المسلحين بأسلوب ساخر، محولاً بنادقهم إلى "أدوات
كاريكاتيرية" في مسرحيته الكبيرة.
الخيال كاستراتيجية نجاة حضور "غريندايزر"
الرمزي
من أذكى النقاط التي طرحها جورج أبو محيا وجورج مكتبي في الفيلم هي
استحضار شخصية
"غريندايزر" (البطل الخارق الياباني
الذي شكل وعي أطفال الثمانينيات في العالم العربي). بالنسبة لجيم، "غريندايزر"
ليس مجرد رسوم متحركة يشاهدها على شاشة التلفاز، بل هو "درع رمزي".
·
لماذا الخيال؟
في علم النفس الصدمي، يلجأ الأطفال غالباً إلى "الخيال الدفاعي".
جيم يستحضر بطله الخارق ليعيد ترتيب الواقع.
·
الخيال كفعل سياسي: عندما يرفض الطفل الانصياع لخوف الحرب ويقرر أن يلعب وسط
الحطام، فإنه يمارس أسمى أنواع المقاومة السلمية. الخيال هنا ليس إنكاراً للواقع،
بل هو وسيلة لتأجيل الصدمة حتى يمتلك الطفل الأدوات النفسية لمواجهتها لاحقاً.
سيكولوجية المكان مفارقة "الشارع الحر" و"البيت
المهدد"
يقدم الفيلم طرحاً عمرانياً ونفسياً لافتاً لمدينة بيروت. فالمألوف في
سينما الحروب أن يكون "البيت" هو الملاذ الآمن و"الشارع" هو
مصدر الخطر. لكن "جيم 1983" يقلب هذه الآية:
1.
الشارع: رغم الركام والمسلحين،
يمثل الشارع لجيم مساحة للحرية، للقاء أطفال آخرين يشبهونه، ولتفريغ طاقته
التخيلية. الشارع هو "المسرح" الذي يمثل فيه بطولاته.
2.
البيت: بمجرد انتهاء الهدنة
وعودة جيم إلى المنزل، يتغير إيقاع الفيلم. يتحول البيت إلى مكان للصمت الثقيل،
للترقب، والقلق الذي يسكن في عيون الكبار. هنا، يصبح الانتظار أكثر رعباً من أزيز
الرصاص نفسه.
اللغة البصرية والتقنية قوة الصمت وجماليات الـ 2D
اعتمد الفيلم على تقنية الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد (2D)، وهو خيار فني
مدروس بعناية:
·
المسافة الجمالية: تتيح الرسوم المتحركة عرض العنف دون أن يكون منفراً بشكل
مباشر، مما يسمح للمشاهد بالتأمل في المعنى بدلاً من الغرق في بشاعة الصورة.
·
غياب الحوار: يتميز "جيم 1983" بالاعتماد شبه الكلي على الصورة
والإيقاع البصري والموسيقى التصويرية. هذا الصمت منح الفيلم لغة عالمية، حيث
استطاع جمهور "مهرجان البحر الأحمر السينمائي" وغيره من المهرجانات
الدولية التفاعل مع الفيلم بعمق دون الحاجة لترجمة لغوية، فالوجع والطفولة لغتان
لا تحتاجان لمترجم.
·
التفاصيل المستوحاة من الواقع: استلهم المخرج تفاصيل الشوارع والجدران المثقوبة من الأرشيف
الفوتوغرافي للمصور اللبناني الشهير رمزي حيدر، مما أعطى الرسوم "صدقية تاريخية" مذهلة.
البعد الشخصي جورج مكتبي ورحلة البحث عن الأب
لا يمكن قراءة فيلم "جيم 1983" بمعزل عن الخلفية الشخصية لمنتجه
ومشاركه في الكتابة،
جورج مكتبي (الرئيس التنفيذي لمجموعة ويبيديا العربية).
مكتبي، الذي فقد والده خلال الحرب الأهلية وهو في سن
السابعة (نفس عمر بطل الفيلم)، وضع في هذا العمل عصارة تجربته مع الفقد. يقول
مكتبي إن الفيلم ليس مجرد قصة عن الحرب، بل هو عن "الحياة التي تستمر على
الرغم من الحرب".
- هذا الصدق الشعوري هو ما منح الفيلم روحه. فالعمل ليس مجرد "منتج
سينمائي"، بل هو جزء من مشروع أوسع لمكتبي يهدف إلى مساءلة الذاكرة، كما ظهر
في معرضه "Ceasefire"
في "بيت بيروت"، حيث يحاول تجميد لحظات من
الحرب لإعادة قراءتها اليوم بروح التصالح والشفاء.
المخرج جورج أبو محيا بصمة إبداعية تتجاوز الحدود
يؤكد جورج أبو محيا من خلال "جيم 1983" مكانته كواحد من أبرز
فناني الرسوم المتحركة في الشرق الأوسط. بعد نجاحه الكبير في فيلم "أليفيا 2053" (أول فيلم رسوم متحركة "ديستوبيا"
عربي)، يعود أبو محيا ليثبت أن "الأنيميشن" هو وسيط فني جاد قادر على
معالجة أعقد القضايا السياسية والاجتماعية.
تميز أسلوب أبو محيا في هذا الفيلم بـ:
·
الاهتمام بالـ "ستوري بورد": كتابة الفيلم بالصورة قبل الكلمة.
·
المزج بين الجمالية والتعليق الاجتماعي: جعل المشهد البصري يحمل
دلالات عميقة عن الطبقية، العسكرة، وضياع الطفولة.
·
التعاون الفني: يعمل أبو محيا حالياً على مشاريع طموحة، منها تعاون مع المخرجة
الكبيرة نادين لبكي، مما يشير إلى أفق جديد للسينما اللبنانية يجمع بين
الواقعية السينمائية وسحر الرسوم المتحركة.
الاستقبال النقدي والجوائز
حظي الفيلم بتقدير واسع في المحافل الدولية، وكان أبرزها التنويه الخاص من لجنة التحكيم في مهرجان البحر
الأحمر السينمائي الدولي. أشاد النقاد بقدرة الفيلم على تقديم سردية "مكثفة" و"شجاعة"،
تبتعد عن المباشرة وتغوص في أعماق النفس البشرية.
كما اعتُبر الفيلم "تذكيراً ضرورياً" مع اقتراب الذكرى الخمسين
لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، مؤكداً أن الفن هو الوسيلة الوحيدة القادرة على
تحويل "التروما" (الصدمة) إلى "إبداع" يساهم في بناء السلام
الداخلي.
الخاتمة لماذا يجب أن نشاهد "جيم 1983" اليوم؟
في عالم لا تزال فيه الحروب تمزق طفولة الكثيرين، من غزة إلى أوكرانيا
وصولاً إلى السودان، يبدو فيلم "جيم 1983" عملاً عابراً للزمان والمكان.
إنه ليس مجرد فيلم عن بيروت في الثمانينيات، بل هو تحية لكل طفل قرر أن يرسم شمساً
على جدار مثقوب بالرصاص، ولكل إنسان استخدم خياله ليبني جسراً فوق هاوية اليأس.
"جيم 1983" هو صرخة هادئة تقول: لقد نجونا بالخيال، وسنشفى بالإبداع.