شهد عام 2024 طفرة مقلقة في عدد ساعات انقطاع الإنترنت المتعمدة أو
التقنية. فقد سجل العالم 120,095 ساعة من الانقطاع، وهو ما يمثل زيادة
قدرها 70% عن العام السابق. وتوزعت هذه الساعات بين:
·
انقطاعات تامة للخدمة:
55,700 ساعة.
·
حجب منصات التواصل الاجتماعي:
54,026 ساعة.
·
تقييد سرعة الإنترنت (Throttling): 12,712 ساعة.
هذه الأرقام تعكس واقعاً مريراً تأثر به
نحو 798 مليون شخص حول العالم، حيث وجدوا أنفسهم
معزولين عن خدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
2. الفرق بين الأعطال التقنية والإغلاق المتعمد
من الضروري التمييز بين الانقطاع الناتج عن مشكلات تقنية (مثل أعطال
الكابلات البحرية أو مراكز البيانات) وبين الإغلاق المتعمد (Internet Shutdown).
تستخدم الحكومات أحياناً "زر الإغلاق" كأداة
سياسية لتنظيم تدفق المعلومات، أو كبح جماح الاحتجاجات، أو التستر على انتهاكات
حقوق الإنسان. وبينما تبرر الدول هذه الإجراءات بأنها "تدابير طارئة" لحفظ
الأمن، يرى الخبراء أنها تمثل ضربة قاضية للاقتصاد الرقمي وحقوق الإنسان الأساسية.
3.
خارطة الخسائر الدول الأكثر تضرراً من غياب الإنترنت
تتصدر بعض الدول قائمة الخسائر بسبب ممارسات الرقابة المشددة أو عدم
استقرار البنية التحتية:
أ. روسيا: فاتورة الرقابة الباهظة
تصدرت روسيا قائمة الدول الأكثر تضرراً، حيث بلغت خسائرها 11.9 مليار دولار. هذا الرقم الضخم هو
نتيجة مباشرة لـ 57 عملية إغلاق وتقييد واسع النطاق بدأ في مايو 2024، مما أدى إلى
شلل في قطاعات حيوية تعتمد على الربط الدولي.
ب. فنزويلا وميانمار: انهيار في بيئة مضطربة
جاءت فنزويلا في المرتبة الثانية بخسائر بلغت 1.91 مليار دولار، تلتها
ميانمار بـ 1.89 مليار دولار. في هذه الدول، يستخدم
قطع الإنترنت كأداة للسيطرة السياسية، مما يؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية
وتوقف التجارة الإلكترونية الناشئة.
ج. إيران: النزيف المستمر
تعد إيران من أكثر الدول نشاطاً في قطع الإنترنت أثناء الأزمات. تشير
التقديرات إلى أن الساعة الواحدة من الانقطاع تكلف الاقتصاد الإيراني 1.5 مليون دولار، وهو ما
يترجم إلى خسارة يومية تتراوح بين 37 و60 مليون دولار. هذه الخسائر ترهق
اقتصاداً يعاني أصلاً من عقوبات دولية وتضخم مرتفع.
4.
ماذا لو توقف الإنترنت في الدول العظمى؟ (سيناريو
الكارثة)
إذا كان الانقطاع في الدول النامية يسبب أزمات محلية، فإن توقفه في القوى
العظمى يعني "سكتة قلبية" للاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة: خسارة 11 مليار دولار يومياً
تعتبر أمريكا الدولة الأكثر هشاشة أمام انقطاع الإنترنت بسبب اعتماد 90.9%
من سكانها عليه.
·
كلفة الساعة الواحدة:
458 مليون دولار.
·
كلفة اليوم الواحد:
11 مليار دولار.
هذا المبلغ يتجاوز ميزانيات دول بأكملها، ويوضح كيف
أن التجارة والعمليات البنكية والخدمات الحكومية في أمريكا أصبحت "سحابية"
بالكامل.
الصين: المليار مستخدم في خطر
على الرغم من أن نسبة الوصول للإنترنت في الصين (70.4%) أقل من أمريكا،
إلا أن العدد الضخم للمستخدمين (أكثر من مليار شخص) يجعل الخسائر هائلة:
·
كلفة الساعة الواحدة:
412 مليون دولار.
·
كلفة اليوم الواحد:
9.8 مليار دولار.
تعتمد الصين على الإنترنت في نظام الائتمان
الاجتماعي، الدفع عبر الهاتف
(WeChat وAlipay)، وإدارة سلاسل التوريد العالمية، مما
يجعل أي انقطاع كارثة لوجستية عالمية.
المملكة المتحدة: اعتماد كلي يفوق أمريكا
بنسبة انتشار تصل إلى 94.8%، تعاني بريطانيا من حساسية مفرطة تجاه أعطال الشبكة.
يكلف انقطاع الإنترنت المملكة المتحدة 136 مليون دولار في الساعة، ونحو 3.2 مليار دولار في اليوم.
5.
العمالقة في مهب الريح كيف تتأثر الشركات الكبرى؟
الشركات التقنية العملاقة هي المتضرر الأكبر، حيث ترتبط إيراداتها
بالثانية الواحدة من الاتصال.
أمازون
(Amazon): ملك التجارة الإلكترونية
بإيرادات سنوية تبلغ 574.8 مليار دولار، تعتمد أمازون على تدفق الطلبات كل
أجزاء من الثانية.
·
خسارة الساعة:
65.6 مليون دولار.
·
خسارة اليوم:
1.5 مليار دولار.
انقطاع الإنترنت لا يعني توقف البيع فقط، بل شلل في
مستودعاتها الذكية وأساطيل الشحن التي تعمل بالخوارزميات.
ألفابت (Alphabet): محرك البحث والإعلانات
الشركة الأم لـ "غوغل" تعيش على البيانات والإعلانات.
·
خسارة الساعة:
35 مليون دولار.
·
خسارة اليوم:
842 مليون دولار.
بدون إنترنت، تتوقف خدمات "غوغل كلاود"، "يوتيوب"،
و"خرائط غوغل"، مما يؤدي إلى تعطل ملايين الشركات الأخرى التي تعتمد على
هذه الأدوات.
جينغدونغ (JD.com): العملاق الصيني
باعتبارها أكبر شركة تقنية في الصين من حيث الإيرادات، فإن انقطاع
الإنترنت يكلفها
17.4 مليون دولار في الساعة، و419 مليون دولار في اليوم.
6.
ما وراء المال التأثيرات الاجتماعية والإنسانية
لا تقاس كلفة انقطاع الإنترنت بالدولارات فقط؛ بل هناك أثمان إنسانية
باهظة:
1.
الرعاية الصحية: تعطل الوصول إلى السجلات الطبية الرقمية والاستشارات عن بُعد
المنقذة للحياة.
2.
التعليم: شلل تام في منصات التعلم
الإلكتروني، مما يحرم ملايين الطلاب من حقهم في المعرفة.
3.
حقوق الإنسان: غياب الإنترنت يعني غياب التغطية الإعلامية وتوثيق الانتهاكات،
مما يمنح مرتكبي الجرائم بيئة آمنة للإفلات من العقاب.
4.
المساعدات الإنسانية: في أوقات النزاعات والكوارث، يعتمد توزيع الغذاء والدواء على التنسيق
عبر الشبكة؛ انقطاعها يعني تأخر المساعدات وزيادة الوفيات.
7.
مستقبل الإنترنت بين التوسع ومخاطر الإغلاق
تشير الإحصائيات إلى أن حالات قطع الإنترنت زادت بنسبة 280% خلال 8 أعوام (من 78 حالة في 2016 إلى 296
حالة في 2024). هذا التوجه التصاعدي ينذر بخطر كبير على استقرار "النظام
الرقمي العالمي".
كيف يمكن للدول والشركات الحماية من هذه المخاطر؟
·
الاستثمار في البنية التحتية البديلة: مثل الإنترنت عبر الأقمار
الصناعية (Starlink وغيرها) التي يصعب حجبها تقليدياً.
·
تشريعات دولية: تفعيل ضغوط أممية لاعتبار الوصول إلى الإنترنت حقاً أساسياً من
حقوق الإنسان، وتجريم الإغلاق المتعمد دون مبررات قاهرة.
·
تعزيز الأمن السيبراني: لحماية الشبكات من الهجمات التي قد تسبب انقطاعات تقنية واسعة.
الخلاصة الإنترنت ليس مجرد رفاهية
إن الأرقام التي استعرضناها —من خسارة أمريكا لـ 11 مليار دولار يومياً
إلى معاناة روسيا من كلفة بلغت 11.9 مليار دولار— تؤكد حقيقة واحدة: الاقتصاد العالمي المعاصر هو اقتصاد رقمي بامتياز.
انقطاع الإنترنت فجأة ليس مجرد "عطل فني"، بل هو انهيار لمنظومة
الحياة الحديثة. ومع استمرار تزايد كلفة الانقطاع بنسبة 156% سنوياً، يصبح لزاماً
على المجتمع الدولي والقطاع الخاص العمل معاً لضمان استدامة هذه الشبكة، وحمايتها
من التجاذبات السياسية التي تضحي بمليارات الدولارات ومصالح الشعوب من أجل السيطرة
على المعلومة.