لطالما ركزت الأبحاث السابقة على التأثيرات المباشرة لقلة النشاط البدني
على المراهقين، مثل السمنة، وأمراض القلب، وتقلب المزاج. إلا أن الدراسة المنشورة
في مجلة "الصحة النفسية
والنشاط البدني" (Mental
Health and Physical Activity)،
فتحت آفاقاً جديدة بوصفها من أوائل الأدلة العلمية التي تشير إلى أن نمط حياة
الأطفال يمتد تأثيره ليشمل الصحة النفسية للوالدين.
منهجية الدراسة: أرقام وحقائق
اعتمد الباحثون في جامعة وارسو على منهجية دقيقة لضمان صحة النتائج:
1.
العينة: شملت الدراسة 203 ثنائيات من الآباء والأبناء (تتراوح أعمار
الأبناء بين 9 و15 عاماً).
2.
النطاق الجغرافي: أجريت الدراسة في 18 موقعاً حضرياً و9 مواقع ريفية في جنوب
غربي بولندا.
3.
المدة الزمنية: استمرت المتابعة لمدة 14 شهراً، وهي
فترة كافية لرصد التغيرات السلوكية والنفسية الطويلة الأمد.
4.
أدوات القياس: لم يعتمد الباحثون على التقديرات الشخصية فقط، بل استخدموا أجهزة استشعار متطورة تُرتدى على الورك لقياس الوقت الفعلي
للجلوس والخمول، بالإضافة إلى استخدام استبيان صحة المريض (PHQ-9) لتقييم
عوارض الاكتئاب لدى الآباء.
لماذا
يصاب الآباء بالاكتئاب بسبب خمول أبنائهم؟
تصف الدكتورة
ماريا سيوا، عالمة النفس والمشاركة في الدراسة، هذه الظاهرة
بأنها "مشكلة معقدة". فالأمر لا يتعلق فقط برؤية طفل لا يتحرك، بل
بالعبء النفسي المتراكم الذي يفرضه هذا المشهد على الوالدين. وتتلخص الأسباب في
النقاط التالية:
1. الشعور بالعجز وفقدان السيطرة
عندما يشاهد الوالدان طفلهما يقضي ساعات طويلة في وضعية الجلوس أو أمام الشاشات،
يتسلل إليهما شعور بالعجز عن تغيير هذا الواقع. هذا الشعور بفشل "الدور
التوجيهي" يعد من أقوى المحفزات للإحباط وتدني الحالة المزاجية.
2. القلق المزمن بشأن النمو والمستقبل
يرتبط الخمول البدني في ذهنية الآباء بمستقبل صحي واجتماعي متعثر. القلق
المستمر بشأن احتمالية إصابة الطفل بأمراض مزمنة أو معاناته من العزلة الاجتماعية
يؤدي إلى استنزاف الطاقة النفسية للوالدين، مما يمهد الطريق لأعراض الاكتئاب.
3. "عدوى" الخمول والعزلة
تؤكد الدراسة أن نمط الحياة الخامل يؤدي إلى انعزال المراهق عن الأنشطة
الأسرية والاجتماعية المفيدة. هذا الانعزال يكسر قنوات التواصل بين الآباء
والأبناء، مما يشعر الوالدين بالوحدة وفقدان الرابط العاطفي، وهو عامل رئيسي في
تدهور الصحة النفسية.
الحلقة
المفرغة كيف يتغذى الكسل والاكتئاب على بعضهما؟
أظهرت النتائج وجود علاقة تبادلية خطيرة، وصفتها الدراسة بـ "الحلقة المفرغة":
·
المرحلة الأولى: الأطفال الذين بدأوا الدراسة بمعدلات خمول عالية، أظهروا زيادة
في أعراض الاكتئاب لديهم بعد 8 أشهر.
·
المرحلة الثانية: سوء الحالة المزاجية للمراهق جعله أقل رغبة في ممارسة أي نشاط
بدني، مما زاد من وقت جلوسه.
·
المرحلة الثالثة: هذا الخمول المتزايد والحالة النفسية السيئة للطفل انعكست بشكل
مباشر على الآباء، حيث سجلوا مستويات أعلى من أعراض الاكتئاب وفق مقياس (PHQ-9).
هذا الترابط يعني أن صحة الفرد داخل
الأسرة ليست جزيرة منعزلة، بل هي حلقة في سلسلة متصلة؛ فإذا اهتزت حلقة المراهق،
اهتزت معها حلقة الوالدين.
دور
التكنولوجيا ووقت الشاشة في تفاقم الأزمة
لم تغفل الدراسة الإشارة إلى أن الوقت الذي نقضيه في وضعية الجلوس قد
ازداد بشكل مثير للقلق في العقود الأخيرة، خاصة بين المراهقين. استخدام الشاشات (الهواتف،الألعاب الإلكترونية، التلفاز) لا يستهلك الوقت فحسب، بل يحل محل "الأنشطة
البدنية المعززة للمزاج".
عندما يستبدل المراهق اللعب الجماعي أو المشي بالجلوس المنفرد أمام
الشاشة، فإنه يحرم نفسه ويحرم والديه من "الهرمونات السعيدة" (مثل
الإندورفين والدوبامين) التي تفرز أثناء النشاط البدني المشترك.
توصيات
الخبراء كيف نحمي الصحة النفسية للأسرة؟
بناءً على نتائج هذه الدراسة، يقدم خبراء علم النفس في جامعة وارسو
والباحثون المشاركون مجموعة من التوصيات العملية:
1. التدخلات الأسرية الشاملة
يجب ألا تستهدف البرامج الصحية الطفل وحده. التدخلات الناجحة هي التي تشمل
جميع أفراد الأسرة، حيث يتم تحفيز الآباء والأبناء على الحركة معاً.
2. التثقيف الصحي المشترك
أثبتت الدراسة أن البرنامج التثقيفي الذي شارك فيه الآباء وأبناؤهم حول
مخاطر الخمول ساعد في رفع الوعي. فهم "لماذا" نحتاج للحركة هو الخطوة
الأولى لتغيير "كيف" نعيش.
3. وضع حدود ذكية لوقت الجلوس
لا يقتصر الأمر على تشجيع الرياضة، بل يجب تقليل "وقت الخمول" المتعمد.
يمكن للأسر تحديد أوقات خالية من الشاشات واستبدالها بأنشطة حركية بسيطة مثل المشي
بعد العشاء أو ممارسة الهوايات الحركية.
4. الاهتمام بالصحة النفسية للوالدين كأولوية
يجب على الآباء إدراك أن اهتمامهم بصحتهم النفسية وممارسة النشاط البدني
بأنفسهم يمثل "قدوة" للأبناء. عندما يرى الطفل والديه نشيطين، تزداد
احتمالية اتباعه لنفس النمط، مما يخفف العبء النفسي عن الجميع.
خاتمة النشاط البدني كـ "ترياق" اجتماعي
إن دراسة جامعة وارسو للعلوم الاجتماعية والإنسانية تدق ناقوس الخطر،
وتذكرنا بأن كسل الأبناء ليس مجرد سلوك عابر، بل هو مهدد للصحة النفسية للبيت
بأكمله. إن تحويل نمط حياة الأسرة من الخمول إلى النشاط ليس مجرد رفاهية صحية، بل
هو استثمار ضروري للوقاية من الاكتئاب وتعزيز الروابط الأسرية.