لطالما رددت الأجيال السابقة مقولة "العين تأكل قبل الفم"، لكن
في زمن السوشيال ميديا، أصبحت العين تأكل "وحدها" في كثير من الأحيان. لقد
أدت المنصات البصرية إلى تحول جذري في معايير جودة الطعام؛ فالمذاق، الذي كان تاريخياً
هو الحكم الأول، تراجع لصالح "القابلية للتصوير" (Instagrammability).
- اليوم، يتم تصميم الأطباق في المطاعم العالمية بناءً على كيفية ظهورها في
الكاميرا. الإضاءة، وتناسق الألوان، وطريقة تقديم المكونات، أصبحت أهم من النكهة
الأصلية. هذا الهوس البصري يخلق حالة من "الجوع الرقمي"، حيث تثير الصور
إفراز هرمونات الشهية لدى المتابع، مما يدفعه للبحث عن الوجبة لا لتجربتها، بل
لتوثيق امتلاكها.
2. ظاهرة "الفود بلوغرز" من النقد الموضوعي إلى الترويج البصري
تطورت مهنة ناقد الطعام من شخص مجهول يكتب مراجعات رصينة في الصحف، إلى "مؤثر" (Food Influencer) يمتلك ملايين المتابعين. هذا التحول أوجد معايير جديدة للنجاح في عالم
الطهي:
·
عنصر الإبهار (The Wow Factor): التركيز على لقطات "تمطط
الجبن"، أو "صب الشوكولاتة"، أو "قرمشة الأكل" (ASMR)، وهي عناصر بصرية وسمعية تحفز مراكز
اللذة في الدماغ بشكل لحظي.
·
فخ التضليل: يشير الخبراء إلى أن الكثير من "الفود بلوغرز" تحولوا
إلى أدوات إعلانية. المبالغة في ردود الفعل وتصوير الوجبات العادية كأنها "أسطورية"
خلق فجوة بين التوقعات والواقع، حيث يصدم المستهلك عند تجربة الوجبة فعلياً.
·
تنميط الوجبات: أصبحت الوجبات الناجحة رقمياً هي تلك التي تتسم بالضخامة وتعدد
الطبقات، مما أدى إلى تهميش الأطباق البسيطة والصحية التي لا تملك نفس الجاذبية
البصرية.
3.
الطعام كرمز للوجاهة والطبقية الرقمية
لم يعد تناول الطعام نشاطاً خاصاً، بل أصبح استعراضاً لجودة الحياة. تشير
الدراسات الاجتماعية إلى أن نوعية الطعام الذي ينشره المستخدم ترسل رسائل غير
مباشرة عن مستواه الاقتصادي، وانفتاحه الثقافي، ومدى مواكبته لـ "الترند".
- التقاط صورة لكوب "الماتشا" أو وجبة "برانش" في مطعم
شهير ليس مجرد توثيق لغذاء، بل هو "بيان هوية". هذا الضغط الاجتماعي جعل
الكثيرين يختارون وجباتهم بناءً على ما سيقوله الآخرون عنها في التعليقات، بدلاً
من استشارة رغباتهم الجسدية أو الجوع الحقيقي.
4. الجانب المظلم الوجبات السريعة وصحة المراهقين
كشفت دراسات من جامعة أوتاوا وجامعة فيرمونت عن حقائق مقلقة تتعلق بتأثير
السوشيال ميديا على الصحة البدنية:
·
سيطرة الوجبات السريعة: تسيطر العلامات التجارية الكبرى للوجبات السريعة على أكثر من 60%
من المحتوى الغذائي الاحترافي على الإنترنت. هذا المحتوى المبهج والمعد بعناية
يستهدف المراهقين والأطفال، مما يزيد من معدلات السمنة واضطرابات الأكل.
·
ثقافة "الدايت السام":
في المقابل، يروج "تيك توك" لأنظمة غذائية
قاسية وغير علمية. المؤثرون الذين يروجون لسلطات فقيرة بالمغذيات أو مشروبات سحرية
للتنحيف يساهمون في نشر ثقافة غذائية مشوهة تؤدي إلى اضطرابات نفسية وجسدية خطيرة.
5.
حالة دراسية ترند "الماتشا" وسحر المحاكاة
يعتبر مشروب "الماتشا" نموذجاً مثالياً لكيفية تحويل منتج
تقليدي إلى "ترند عالمي". رغم فوائده كمضاد للأكسدة، إلا أن انتشاره لم
يكن بسبب طعمه (الذي قد لا يتقبله الكثيرون في البداية)، بل بسبب لونه الأخضر
الجذاب وارتباطه بصورة ذهنية عن "الحياة الصحية والعصرية".
- يوضح الخبراء أن الكثير من الشباب يقبلون على الماتشا لمجرد محاكاة
المشاهد التي يرونها، متجاهلين التحذيرات الطبية التي تشير إلى أن نسبة الكافيين
العالية فيها قد لا تناسب الأطفال تحت سن 13 عاماً أو الحوامل ومرضى الضغط. هنا،
يتفوق "الترند" على الوعي الصحي.
6. السوشيال ميديا كجسر ثقافي عولمة المطبخ المنزلي
على الرغم من السلبيات، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي للسوشيال ميديا في
إحداث "ثورة طهي" داخل البيوت:
·
ديمقراطية الوصفات: بفضل الفيديوهات القصيرة، تحولت أسرار الطبخ المعقدة إلى خطوات
بسيطة في متناول الجميع. لم يعد الطبخ حكراً على المحترفين، بل استطاعت ربات
البيوت والشباب ابتكار وصفات اقتصادية وشهية.
·
التبادل الثقافي: أصبحت الموائد العربية أكثر تنوعاً؛ فالمصريون يتذوقون "الكبسة"
والمنسف"، والخليجيون يجربون "المحاشي" و"الكشري"،
والمغرب العربي ينشر ثقافة "الطاجن" عالمياً. هذا التمازج عزز من لغة
التواصل الإنساني عبر بوابة الطعام.
·
زيت الزيتون والخيارات الصحية: ساهم المؤثرون الصحيون في نشر الوعي بمنتجات كانت محصورة في
مناطق معينة، مثل زيت الزيتون البكر، المكسرات النيئة، وبذور الشيا، مما أدى إلى
زيادة الطلب عليها وتحسين النمط الغذائي لقطاعات واسعة.
7.
أزمة كورونا نقطة التحول الكبرى
كانت جائحة كورونا عام 2020 هي المختبر الأكبر لعلاقتنا بالطعام عبر
الإنترنت. مع الحظر المنزلي، تحول المطبخ إلى "ملجأ نفسي". ظهرت ترندات
مثل "خبز الساوردو" و"قهوة دالغونا"، حيث استخدم الناس الطعام
كوسيلة لتبديد القلق والملل. هذه الفترة رسخت فكرة أن الطعام هو "محتوى
ترفيهي" يجمع الناس افتراضياً عندما يعجزون عن اللقاء واقعياً.
8. كيف نستعيد توازننا في علاقتنا مع الطعام؟
للخروج من فخ "الوجبة الترند" والحفاظ على صحتنا النفسية
والجسدية، ينصح الخبراء بالآتي:
1.
الأكل بوعي (Mindful Eating): استعادة التركيز على طعم
الطعام وقوامه بدلاً من شكله في الكاميرا.
2.
التشكيك في المصداقية: عدم الانسياق خلف مراجعات المؤثرين دون التأكد من جودة المطعم
أو الوجبة من مصادر متعددة.
3.
تحديد الأولويات: تذكر أن الوظيفة الأولى للطعام هي التغذية، وأن "البرستيج"
الرقمي لا يعوض النقص في الفيتامينات أو الضرر الناتج عن الدهون المشبعة.
4.
حماية الصغار: مراقبة المحتوى الذي يشاهده الأطفال والمراهقون وتوعيتهم
بالفوارق بين "إعلانات الطعام" والواقع الصحي.
الخلاصة
إن وسائل التواصل الاجتماعي ليست "عدواً" للطعام، بل هي مرآة
مكبرة تعكس رغباتنا وتطلعاتنا. لقد جعلت السوشيال ميديا من الطعام فناً متاحاً
للجميع، لكنها في الوقت نفسه وضعتنا تحت ضغط "الصورة المثالية". السر
يكمن في الاستمتاع بجمالية الطبق الرقمي، دون أن ننسى تذوق طعمه الحقيقي في عالمنا
الواقعي.
الأسئلة
الشائعة حول تأثير السوشيال ميديا على الطعام
س: هل تصوير الطعام قبل أكله يؤثر على الاستمتاع به؟
ج: تشير بعض الدراسات إلى أن تصوير الطعام قد يزيد
من ترقب اللذة، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى برودة الوجبة وتشتيت التركيز عن
التواصل الاجتماعي مع الحضور.
س: كيف أعرف إذا كان "الفود بلوغر" يقدم
إعلاناً أم رأياً حقيقياً؟
ج: ابحث عن الشفافية؛ المؤثرون الموثوقون يذكرون
صراحة إذا كان المحتوى "إعلاناً مدفوعاً". كما يمكنك ملاحظة تكرار
المديح المبالغ فيه لجميع المطاعم كإشارة على عدم الموضوعية.
س: ما هي مخاطر اتباع ترندات "الدايت" على
تيك توك؟
ج: أغلب هذه الترندات لا تستند إلى أساس طبي، وقد
تسبب نقصاً حاداً في العناصر الغذائية أو تؤدي إلى تطور اضطرابات الأكل مثل "فقدان
الشهية العصبي".