**السوق السوداء للرفات البشرية في بريطانيا: تجارة غير مقننة بملايين الجنيهات تهدد كرامة الموتى**
**مقدمة:**
في زوايا مظلمة من الشبكة العنكبوتية وعلى أرفف
متاجر "الغرائب" المغمورة، تتنامى تجارة مقلقة وغير أخلاقية: السوق
السوداء للرفات البشرية في المملكة المتحدة. في ظل فراغ قانوني مثير للجدل، أصبحت
الجماجم والعظام وحتى منتجات الجلد البشري سلعًا تُباع وتشترى بملايين الجنيهات،
متجاوزةً أي رقابة حقيقية. هذه الظاهرة لا تثير قلق خبراء الطب الشرعي
والأنثروبولوجيا فحسب، بل تنذر أيضًا بعهد جديد من "سرقة الجثث" وتدنيس
كرامة الموتى، مع تداعيات أخلاقية واجتماعية عميقة.
![]() |
**السوق السوداء للرفات البشرية في بريطانيا: تجارة غير مقننة بملايين الجنيهات تهدد كرامة الموتى** |
**الفراغ القانوني منطقة رمادية للتجارة المحظورة**
تكمن جذور هذه المشكلة في ثغرة قانونية صارخة داخل المملكة المتحدة. بشكل عام، لا يعتبر بيع الرفات البشرية غير قانوني صراحةً، مما يضع العديد من عمليات شراء وبيع الجماجم والعظام في منطقة قانونية رمادية.
- وبينما يعد تدنيس القبور جريمة، إلا أن القانون البريطاني لا يمنح الرفات البشرية "ملكية" فعلية
- وبالتالي لا يمكن "سرقتها" بالمعنى التقليدي. هذا يعني أن حيازة أو بيع بقايا بشرية تاريخية لا يعد
- جريمة بالضرورة، حتى لو كانت قد استُخرجت بطرق غير قانونية في الأصل. هذا الفراغ القانوني
- هو ما يستغله تجار السوق السوداء لتسيير
أعمالهم، محولين ما تبقى من البشر إلى بضائع مربحة.
**شهادات من عمق الظاهرة تجارة تتغذى على الفضول والميتافيزيقا**
تكشف أنشطة تجار مثل هنري سكراج، صاحب متجر "فيفث كورنر" في إسيكس، عن مدى انتشار وتنوع هذه السوق. في مقابلة غريبة على "يوتيوب"، ظهر سكراج، بوشومه القبلية ولحيته المضفرة، محاطًا بمجموعة من "الغرائب": جنيناً لتوأمين ملتصقين يطفو في جرة طبية، رفوف مكدسة بالجماجم البشرية، وهيكل عظمي لحيوان هجين.
- متجره لا يكتفي ببيع هذه "التحف"، بل يقدم اشتراكًا شهريًا يرسل فيه جمجمة مختارة للمشتركين كل
- شهر، بالإضافة إلى عروض لبيع أجزاء بشرية محنطة، ورؤوس مصغرة، وأقنعة ومحافظ مصنوعة
- من جلد بشري.
هذا التداخل بين القانون، الفضول البشري، والميتافيزيقا، يخلق بيئة خصبة لتجارة تتجاوز مجرد جمع التحف لتصبح مساحة مأساوية ومثيرة للتأمل حول حدود الأخلاق والإنسانية.
**الارتفاع المقلق في المبيعات وتدخل الخبراء**
ليست هذه الظاهرة مجرد حالات فردية، بل هي سوق
آخذة في التوسع. الدكتورة تريش بايرز من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة كامبريدج،
والتي تنسق فريق عمل في الجمعية البريطانية للأنثروبولوجيا البيولوجية وعلم الآثار
العظمية (BABAO) للتحقيق في تجارة البقايا البشرية، أكدت أن هناك "زيادة كبيرة في
المبيعات" في المملكة المتحدة خلال الأعوام الأخيرة. وقد تمكنت الجمعية من
منع أكثر من 200 عملية بيع في السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك صفقات عبر دور
المزادات والمتاجر والبائعين عبر الإنترنت.
- هذا الارتفاع يعزى بشكل كبير إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي "غيرت السوق تمامًا" حسب
- بايرز، حيث سهلت المنصات الرقمية عرض وبيع هذه المواد، مما يجعل الأمر "غير قانوني، وهذه
- هي المشكلة" على حد تعبيرها. حتى بعض التجار السابقين، مثل ماتيوس بول، الذي كان يبيع "فنونًا
- وغرائب مرعبة"، أعلن عن توقفه عن تجارة الرفات البشرية بسبب "الأمور الموحلة للغاية" المتعلقة
- بالقطع المسروقة والمنهوبة من القبور.
**أدلة دامغة على عمليات استخراج حديثة وغير قانونية**
أظهر تحقيق أجرته صحيفة "الغارديان" حجم
المشكلة من خلال عرض صور لعشر جماجم معروضة للبيع على "إنستغرام" ومنتديات
إلكترونية أخرى في المملكة المتحدة على ثلاثة خبراء في الطب الشرعي. بينما كانت
العديد من الجماجم توصف بأنها "جماجم تدريس تشريحية سابقة"، إلا أن بعضها
الآخر بدا مغطى بالتراب أو بآثار أنسجة بشرية، مما يشير بوضوح إلى أنها ناتجة عن "حفريات
حديثة".
- إحدى الجماجم، التي بيعت بمبلغ 995 جنيهًا إسترلينيًا (1345 دولارًا) على موقع إلكتروني في
- بلفاست، أظهرت "علامات تلف في الجذور، مما يشير إلى أنها دفنت في التربة". كما حدد أحد
- الخبراء "بقعًا مما قد يكون مادة عضوية داكنة، وجذورًا صغيرة محتملة في خيوط العظام ومداراتها
- وربما قضم القوارض لها". جمجمة أخرى، بيعت مقابل 795 جنيهًا إسترلينيًا (1000 دولار)، بدت
- عليها بقع أكسيد المنغنيز، وهي علامات تتوافق مع تلك التي تُرى في الجثث المستخرجة من القبور
- القديمة.
الأكثر إثارة للقلق هو أن ثلاث جماجم على الأقل أظهرت أدلة على "ليونة"، وهي حالة تحدث عندما تُغمر العظام في مادة حمضية ناتجة عن التحلل داخل التابوت. وأشارت البروفيسورة سو بلاك، إحدى أبرز علماء الطب الشرعي في المملكة المتحدة، إلى أن إحدى هذه الجماجم كانت مصابة بـ"تلف حديث حول الوجه، وطبقة داكنة رقيقة ومتقشرة"، وهي علامات رأتها في جماجم مأخوذة من التوابيت، مما يشير إلى استخراج حديث.
كما أشار الدكتور نيكولاس ماركيز-غرانت،
عالم الأنثروبولوجيا الشرعية بجامعة كرانفيلد، إلى أن بعض الجماجم قد تكون نشأت من
خارج المملكة المتحدة، بما في ذلك آسيا وأفريقيا، وقد يعود تاريخها إلى القرن
التاسع عشر.
**مطالبات برلمانية بتشديد القوانين وإعادة الرفات**
أثارت هذه القضية جدلاً واسعًا في البرلمان
البريطاني. في مارس الماضي، ناقش البرلمان مطالب مجموعة من أعضائه بوقف عرض أي قطع
من الرفات البشرية في متاحف المملكة المتحدة، والسماح ببيع أجزاء الجسم البشرية في
دور المزادات. وقد أصدرت المجموعة البرلمانية الإنجليزية متعددة الأحزاب تقريرًا
يدعو إلى حظر بيع وعرض بقايا الأجداد، بما في ذلك المومياوات المصرية.
- تضمن التقرير 14 توصية، أبرزها "تجريم بيع الرفات البشرية" وتعديل قانون الأنسجة البشرية لعام
- 2004 ليشمل رفات الأشخاص الذين ماتوا قبل أكثر من 100 عام. هذه المطالبات تأتي استجابة لآراء
- خبراء يصفون استمرار عرض المومياوات المصرية في المتاحف البريطانية بأنه "أمر مسيء ويجب
- إيقافه"، مؤكدين ضرورة إعادة الرفات التي جلبت إلى بريطانيا كجزء من الاستعمار إلى بلدانها
- الأصلية.
**قانون الأنسجة البشرية لعام 2004 ثغرات واستثناءات:**
تتجاوز معظم عمليات الاتجار الخاصة بالبقايا
البشرية نطاق قانون الأنسجة البشرية لعام 2004، الذي صدر بعد فضيحة ألدر هاي التي
نزعت فيها أعضاء أطفال وخزنت في المستشفى دون موافقة. يغطي هذا القانون، الذي يرسخ
المتطلبات القانونية المتعلقة بالموافقة والتخزين والاستخدام، البقايا التي يقل
عمرها عن 100 عام فقط، ويطبق على استخدامات محددة مثل زراعة الأعضاء والبحث العلمي
و"العرض العام" في المتاحف.
لكن الخبراء يؤكدون أنه لا يفسر عادة على أنه ينطبق على الصور التي ينشرها البائعون على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يعني أنه بينما يخضع البحث الطبي لرقابة صارمة، يتمتع جامعو وبائعو الرفات البشرية بحرية شراء وبيع وتعديلها، شريطة ألا يكونوا قد حصلوا عليها بشكل غير قانوني وألا يستخدموها في عمليات الزرع.
هذا التناقض الصارخ دفع الدكتورة تريش بايرز للتساؤل:
"يجب أن أحصل على ترخيص لجمع الرفات... لكن لا بأس بتحويل عمود فقري لطفل إلى
مقبض حقيبة يد. لا أفهم هذا".
**دعوات عاجلة لتقنين التجارة وحماية كرامة الإنسان**
تسلط أستاذة القانون بجامعة ليدز، إيموجين جونز،
الضوء على هذا "الفراغ القانوني" المتعلق بالاستخدام الشخصي للرفات
البشرية، معتبرة أن القوانين الحالية لا تعكس التوقع العام بضرورة معاملة الجثث
وأجزاء الجسم "بمستوى أساس من احترام الكرامة في جميع القطاعات".
- بول بواتينغ، الذي سيلتقي وزيرة الثقافة ليزا ناندي للمطالبة بتغيير القانون، أعرب عن مخاوفه بشأن
- الاتجار ببقايا أسلاف السكان الأصليين، واصفًا "استمرار الاتجار بالبشر حتى بعد الوفاة، واستمرار
- إضفاء
الصفة المادية عليهم، أمر مقزز للغاية ومصدر عار على بلدنا".
**الموقف الرسمي والتوقعات المستقبلية**
أكدت وزارة الثقافة والإعلام والرياضةالبريطانية ضرورة معاملة جميع الرفات البشرية باحترام وكرامة. وأشارت إلى أنه يجب
على دور المزادات التدقيق في أنشطتها، ومن أي شخص يتاجر بالرفات البشرية أن يدرس
بعناية الآثار الأخلاقية لهذا النشاط "المثير للقلق الشديد". كما أكد
مصدر في الوزارة أن سرقة أي رفات ستكون "تدنيسًا بغيضًا"، وأنهم يتوقعون
من الشرطة أن تتصرف "بكل قوة القانون" في مثل هذه الحالات.
- شددت هيئة الأنسجة البشرية على أن تصرفات أي شخص يباشر أنشطة تستخدم الأنسجة البشرية التي
- تقع ضمن نطاق اختصاصها التنظيمي يجب أن تسترشد بمبادئ "الموافقة والكرامة والجودة والصدق
- والانفتاح".
**خاتمة**
في ضوء هذه التطورات المقلقة، من المتوقع أن
تشهد المملكة المتحدة تغييرات قانونية تهدف إلى تنظيم تجارة الرفات البشرية وضمان
احترام حقوق الأفراد والمجتمعات الأصلية. إن إغلاق هذا الفراغ القانوني ليس مجرد
مسألة تنظيمية، بل هو ضرورة أخلاقية وإنسانية لحماية كرامة الموتى ووضع حد لـ"تجارة
الموت" التي تتغذى على الفضول والمكاسب المادية على حساب القيم الإنسانية
الأساسية. يمثل هذا المقال دعوة صريحة للتحرك الفوري والفعال لوقف هذا السوق
المظلم وإنهاء انتهاك حرمة أجساد البشر.